مسيحيو ومسلمو غزة "عهد ووفاء"
الثلاثاء 29 صفر 1438 - 07:32 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 29-11-2016
 غزة (إينا) - بينما كانت تدك طائرات الاحتلال مآذن مساجد قطاع غزة في العدوان الإسرائيلي الأخير، كان الأب مناويل مسلم راعي كنيسة اللاتين يدق أجراس الكنائس خمس مرات يوميًا تزامنًا مع موعد رفع الآذان، تجسيداً لوحدة الصف الوطني الشعبي الفلسطيني على أرضه أمام غطرسة الاحتلال.
ولم يكتفِ المسيحيون بذلك، بل فتحوا أبواب كنائسهم للنازحين المدمرة بيوتهم للمبيت فيها وتوفير المأكل والمشرب والملبس لهم، بل وإقامة صلواتهم الخمس وأداء صلاة التراويح خلال شهر رمضان الذي تزامن مع عدوان 2014. 
هذه العلاقة الوطيدة لم تكن وليدة اليوم بل هي امتداداً لزمن طويل عبر القرون، تشارك فيه المسلم والمسيحي الفرح والحزن والنضال والتضحية أمام صلف الاحتلال .  
يقول الأب مسلم عضو الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة المقدسات وراعي كنيسة اللاتين في غزة السابق، والذي عرف بمواقفه "الجريئة" للدفاع عن المقدسات لوكالة الأنباء الإسلامية الدولية (إينا): " نسيج فلسطين هو مسيحي ومسلم ونحن نتحدث كفلسطينيين لا كمسيحيين أو مسلمين، فأنا والمسلم نملك هذه الأرض."
ويضيف:" الإسلام  بالنسبة لي هو كياني ووجودي والأقصى جزء من هوية الشعب الفلسطيني ولا يمكن أن أكون فلسطينياً دون الأقصى فهو شرفي ومن يعتدي على شرفي أنا ملزم بالدفاع عنه، المسيحي الذي لا يدافع عن فلسطين ليس فلسطينياً والعكس".
وبُنيت علاقة المسلمين والمسيحيين في فلسطين على عهدٍ سُمي "بالعهدة العمرية" منذ أن فتح المسلمون بيت المقدس ودخلها الخليفة الثاني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
 نص العهدة: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله، عمر، أمير المؤمنين، أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيِّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يُعطوا الجزية كما يُعطي أهل المدائن، وعليهم أن يُخرِجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا أمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بِيَعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بِيَعهم وصلبهم حتى يبلغوا أمنهم، فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم. ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية."
ويصف الأب مسلم هذه العهدة بـ" بالنشيد الجميل ووثيقة حياة"، فهي نغمة يطبقها المسيحيون والمسلمون وإعلان عهد ووفاء، المسلم يعطي عهداً والمسيحي يعطي وفاء، على حد قوله.
ويبلغ عدد المسيحيون في قطاع غزة حاليًا نحو 1500 شخص، ينقسمون إلى قسمين من حيث أصولهم الجغرافية فهم مسيحيون مقيمون في غزة منذ مئات السنين، وتعتبر غزة بلدهم الأصلية، وآخرون هاجروا إليها بعد نكبة العام 1948.
ويُقسم المسيحيون من حيث الطوائف الدينية إلى أربع: الروم الأرثوذكس، وهم يمثلون أغلبية المسيحيين المقيمين في قطاع غزة، والكاثوليك، والمعمدانيون، والانجيليون.
بدوره، أكد الدكتور سالم سلامة رئيس رابطة علماء فلسطين في قطاع غزة لـ (إينا)، على عمق العلاقة الإسلامية المسيحية في القطاع رغم محاولة ما يبثه الاحتلال من إشاعات بينهم لفصل خشبة هذه الوحدة، إلا أنهم يعلمون ما يخطط له الاحتلال.
وقال :" نحن عشنا مع بعضنا البعض وبيننا وئام ومحبة، بل وقف إخواننا المسيحيون مع المسلمين عندما اغلق الاحتلال الجامعة الإسلامية والمعاهد إبان احتلال غزة، حيث فتح المسيحيون كنائسهم ليدرس فيها المسلمون".
 وحول مبادرة المسيحيين الأخيرة برفع الآذان من الكنائس بعد قرار الاحتلال منعه في القدس المحتلة، أكد سلامة أن الكنائس تدق أجراسها وتؤذن حتى يقولوا للاحتلال: إن منع الآذان كمنع أجراس الكنائس وهو إعتداء على عيسى ابن مريم وإعتداء على موسى بن عمران وأيضًا إعتداء على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، "لذا نحن في وحدة تامة، ونحن على يقين أن المسيحيين مشتركين  أيضا في انتفاضة الاقصى وهم يعلمون أن الإعتداء على الأقصى هو إعتداء على كنيسة القيامة".
وكانت سلطات الاحتلال أخذت خطوات لمنع الآذان في القدس تحت ذريعة "منع الضوضاء"، إلا أنها قوبلت باحتجاجات عارمة في كل أرجاء فلسطين المحتلة.
(انتهى)

محمد الخالدي 
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي