الخميس 05 ذو الحجة 1439 - 13:29 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 16-8-2018
(يونا)
مكة المكرمة (يونا) - دعا مفتي مصر الدكتور شوقي علام، الحجاج إلى الالتزام بقوانين المملكة العربية السعودية ونظمها المختلفة التي تسير عملية الحج. مؤكداً أن المملكة هي صاحبة الولاية الشرعية في الحج، وما دامت كذلك فينبغي الالتزام باللوائح والنظم التي تسنها.
وأشار علام، في حديث لاتحاد وكالات أنباء منظمة التعاون الإسلامي (يونا)، إلى أن ممارسة الفتوى تحتاج إلى تأهيل علمي وتطبيقي قبل التصدر لممارستها.
وكشف علام عن اختلالات كثيرة في الفتاوى التي تصدرها الجماعات المنحرفة. مبينا أن دار الإفتاء المصرية عملت طيلة الأعوام الخمس الماضية على تفكيك هذه الفتاوى وبيان زيفها في نحو 240 تقريراً.
وشدد على ضرورة تجديد الخطاب الديني بحيث يتم إيصال الإسلام إلى الناس بطريقة صحيحة تنسجم مع مقاصد الشارع وغاياته. فإلى الحوار:

فضيلة الشيخ هل من توجيهات للحجاج بخصوص الالتزام بالنظام والتعليمات التي تفرضها الحكومة السعودية لتيسير الحج، وتسهيل أداء المناسك؟
أولاً، الشكر موصول إلى المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز (حفظه الله تعالى) وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وكل القائمين على أمر الحج وتيسيره بالنسبة لحجاج بيت الله الحرام، ولا ريب أن المملكة العربية السعودية وهي تتولى أمور الحج والعمرة، هي صاحبة الولاية في هذا الأمر، ومن ثَم فإنه يجب احترام الأنظمة واللوائح التي تنظم عملية الحج والتي تصدرها المملكة لأنها لم تصدرها هكذا إلا بعد دراسات وبحوث معمقة لصالح حجاج بيت الله الحرام، ولهذا فإنه وحتى قبل الحكم الشرعي فإن من صالح حجاج بيت الله أن يلتزموا بهذه القوانين واللوائح، لأن عدم الالتزام بها سيؤدي إلى مفاسد كبيرة جدًا، ويؤدي إلى خلل في أداء المناسك، لكن عندما نلتزم بهذه الأنظمة نرى كما دلت على ذلك التجارب سهولة ويسرا في أداء المناسك والشعائر المقدسة.
وفيما يخصنا فنحن أصدرنا العديد من الفتاوى التي تحث الناس على الالتزام بقوانين المملكة ونظمها المختلفة ولوائحها العديدة التي تنظم عملية الحج، وقلنا لحجاج بيت الله الحرام إن من أولى الأولويات الالتزام بهذه اللوائح والقوانين.

ما هو توجيهكم للمفتين المصاحبين لبعثات الحج فيما يتعلق بالتيسير على الحجاج واختيار الأوفق والأنسب لهم؟
في الحقيقة التيسير بات الآن ملحا مع كثرة من يأتي إلى المملكة حاجًا ومعتمرًا، خاصة في موسم الحج بصفته يجمع ما يزيد عن ثلاثة ملايين حاج في منطقة واحدة في زمان واحد في مشعر واحد، فهناك سعة كبيرة جدًا في الفكر الإسلامي تتيح لنا أن نأخذ منه ما يعالج قضايا الحج ومستجداته، ولذلك نحن نُهِيب بالإخوة الزملاء الذين يتصدرون عملية الإفتاء والوعظ هنا أن يأخذوا بأيدي الناس وأن يأخذوهم بالأيسر والأوفق الذي يحقق يسر العبادة مع الخشوع والخضوع. والحمدلله، فالعديد من الفتاوى التي صدرت في المملكة أو صدرت في مصر أو صدرت في دول كثيرة جدًا هي ملاحظة لواقع الناس الآن، وملاحظة لواقع المكان الذي يأتي إليه حجاج بيت الله الحرام، وكلها مبنية على التيسير الذي يستند إلى الدليل الشرعي.

 أنتم دائما تتحدثون عن الفتوى بأنها صنعة وعلم وليست مجرد أمر يمكن لأي شخص أن يخوض فيه، وقد أصدرتم كتابا في هذا الشأن، فما هي الضوابط التي تحدد هذه الصنعة، وهل توجد وصفه معينة في هذا الجانب؟
هناك محوران مهمان للغاية لا بد منهما، وهذان المحوران يتكونان عبر سنوات طوال من عمر الإنسان، المحور الأول هو محور التكوين العلمي، وهو يحتاج إلى علوم شرعية من علم اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم وحفظ أحاديث الرسول المتعلقة بالأحكام الشرعية، وكذلك الاهتمام التام بعلم أصول الفقه ومعرفة الناسخ والمنسوخ وإلى غير ذلك مما هو مفصل في كتب العلماء، وهذه المرحلة تأخذ فترة طويلة من الزمن لتكوين العقل الإفتائي أو العقل العلمي في مراحله الأولى نحو إيجاد ملكة فقهية راسخة يستطيع الإنسان بها أن يحيط بمسائل عديدة. لكن ليس هذا فقط هو المطلوب في عملية الفتوى أو في صناعة الفتوى، وإنما ينضم إليه أمر آخر وهو أكثر أهمية من الأمر الأول، هذا الأمر هو المحور الثاني المتعلق بالتأهيل الإفتائي، وهي عملية تحتاج إلى تدريب طويل المدى يأخذ الإنسان إلى أرض الواقع ليعرفه بأبعاده المختلفة.. ببعده المتعلق بالشخص، وبعده المتعلق بالحياة، وبعده المتعلق بالمكان والزمان والأفكار. هناك الكثير من الأمور التي تطورت وتغيرت مع مرور الزمن وأصبحنا الآن يكاد واقعنا يتغير في كل ثانية، وعلى سبيل المثال، فقبل الإفتاء في الشؤون المالية لابد للمفتي من الإحاطة بنظرية العقود، لأن العقود المالية أصبحت تشهد تعقيدًا كبيرًا جدًا وتشابكًا بين عقود مختلفة، فلا بد من الوعي بهذه التشابكات، والوقوف على أرض الواقع، وهذا كله في الحقيقة يحتاج إلى أن يؤهل العالم تأهيلاً إفتائياً صحيحاً حتى يعطي الحكم موافقا لمراد الشارع في غالب ظن هذا المفتي.

بالنسبة لتأهيل المفتين ما هي الطرق التي يمكن اتباعها خصوصاً في مؤسسات الإفتاء والمؤسسات الرسمية لتأهيل المفتين الفرعيين؟  
هذه في الحقيقة تحتاج إلى علوم الفتوى، وفيما يخصنا فنحن ندرب المقبلين على التصدر للإفتاء ممن حصلوا على الشهادات الجامعية والذين سيلتحقون بعملية الإفتاء، ندربهم في دار الإفتاء المصرية لمدة سنة كاملة تتضمن الجانب النظري في علوم الإفتاء، وهذه ندرس له  فيها ما يتعلق بالفتوى وكيفية استخراج الحكم الشرعي، ثم بعد ذلك كيفية وقوفه على أرض الواقع، وكيف يصل إلى مرحلة تكييف الحكم، فالفتوى تمر بأربع مراحل لابد أن يعلمها المتصدر للفتوى:
الأولى : مرحلة التصوير وفهم الواقع المحيط بالمسائل المعروضة عليه.
الثانية: تكييف هذه المسائل عبر إلحاقها بفرع من فروع الفقه الإسلامي الوسيع.
الثالثة: النظر في الأدلة الشرعية وإنزال الحكم منها على الواقعة المعروضة عليه.
الرابعة: وهي المرحلة الأخيرة إصدار الفتوى.
هذا كله في الحقيقة يحتاج إلى علوم مختلفة، لكن نحن لا نقتصر على ذلك، وإنما نركز أيضا على الجانب العملي، بحيث ندرب متصدر الفتوى تطبيقيا، ونجعله يقف على أرشيف الفتاوى التي صدرت، بحيث نقول له: اذهب إلى أرشيف الفتاوى واقرأ فيه على الأقل خمس ساعات أو أكثر، ثم بعد ذلك اكتب لنا تقريرا عن كل فتوى، بحيث يبدأ الباحث بدراسة الفتاوى منذ عهد الشيخ محمد عبده إلى وقتنا هذا، ويقول لنا في التقرير هل المقومات التي درسها في التدريب النظري مطابقة أو متوفرة في الفتاوى المعروضة عليه، ونترك لهُ مساحة من حرية إبداء الرأي، ونعالج أوجه القصور عنده إن وجدت، هذا فضلاً عن الجلوس العملي لمواجهة الوقائع، وهذا يتم من خلال الجلوس مع أمناء الفتوى المنثورين في دار الاِفتاء المصرية.

 مسألة الفتوى تتولاها أحيانا جهات متطرفة وتكفيرية، وأنتم خصصتم مرصدا خاصا لرصد هذه الفتاوى التكفيرية، ومن منطلق خبرتكم في هذا المجال، ما هي أبرز السمات التي تتميز بها هذه الفتاوى، بحيث يستطيع الإنسان أن يعرف بمجرد الوقوف عليها أنها فتوى مخالفة للمنهج الصحيح؟
 نعم نحن في مطلع عام 2014 استشعرنا خطر هذه المجموعات الإرهابيه في فكرها وفي فتاواها المتشددة والتكفيرية التي تؤدي إلى القتل وليس فقط التكفير، لأن استحلال دم المسلم دائما ما يتبع تكفيره في فتاوى هذه الجماعات الضالة، ونحن في المرصد قرأنا هذه الفتاوى ووقفنا عليها طويلاً، وأصدرنا إلى وقتنا هذا ما يزيد عن 240 تقريرا في غضون خمس سنوات.
والملاحظ عموما في هذه الفتاوى أنها جانبت الصواب في عدة محاور، أولاً جانبت الصواب في فهمها للقرآن الكريم، وثانيا جانبت الصواب في فهمها للسنة والسيرة النبوية، وثالثا جانبت الصواب في فهمها لمقاصد الشرع الشريف، ورابعا جانبت الصواب في فهمها لقواعد الفقه الإسلامي، فنحن فندنا كل هذه الفتاوى، وقلنا إنها خارج نطاق الفهم الصحيح للدين الإسلامي، ويكفي أن نضرب مثالاً على ذلك في فهمهم القاصر للقرآن الكريم والذي أدى إلى إشكالات وإلى قتل وتكفير وتفجير، فمن ذلك أنهم قالوا إن آية السيف نسخت 100 آية، والحقيقة أن هذا قول باطل لأنه أولاً لا توجد آية في القرآن الكريم تسمى آية السيف بل لا توجد كلمة "سيف" في القرآن الكريم، وثانياً إن الآيات الأخرى التي قالوا إنها نُسخت هي مما اشتمل على المهادنة والمودة والمعاملة بالمعروف واللين والرحمة مما هو من صلب الإسلام، فإذا كانت آية واحدة نسخت كل هذا فماذا بقي من الإسلام في جوهره الأصيل؟  وثالثًا: إنهم قالوا إن آية ((واقتلوا المشركين حيث ثقفتموهم)) في سورة التوبة، قالوا إن هذه الآية إنما قصدت كل الناس الذين ليسوا بمسلمين، بما في ذلك من يطالهم التكفير من المسلمين، وبناء على هذا الفهم المنحرف أدرجوا هذه الآية  (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتموهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ)) ضمن فهمهم الخاطئ للجهاد، لأن هذه الآية القرآنية الكريمة لها سياقها الذي يتوقف عليه تفسيرها، وسياقها إنما هو في من اعتدى على سيدنا رسول الله من المشركين واعتدى على المسلمين، فضلاً عن أن لفظ المشركين في الآية لفظٌ لا يفيد العموم وإنما هو قاصر على كفار قريش فـ"أل" هنا للعهد وليست للجنس، بدليل أن الله سبحانه وتعالى ذكر بعد هذه الآية مباشرة: ((وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره)) إذاً لو كان الأمر بالقتل على العموم لما استُثني أحد، هذا فضلاً عن الثابت من معاشرة الرسول لليهود في المدينة ومعاشرته للناس الذين لم يسلموا بعد، فلو أن الأمر على إطلاقه وعلى العموم هكذا لوجدنا رواية تقول إن الرسول استند لهذه الآية وقتل المشركين قبل هجرته للمدينة وبعدها؛ إذًا فالفهم الذي تقدمه الجماعات المتطرفة فهم خاطئ، في حين أن الصحابة الذين فهموا هذه الآية على وجهها انطلقوا إلى الآفاق، ولم يثبت أن أحدًا منهم قتل أحدًا بل نشروا الدين الإسلامي بالحسنى والأخلاق والقيم والمثل العليا ولم يلجؤوا إلى هذه المصائب التي لجأ إليها هؤلاء المتطرفون.

تتحدثون دائما عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، لكن هناك من يتخوف من دعوات التجديد، ويرى أنها قد تطال الثوابت الدينية، فما هو الحل الوسط بين التجديد الذي لا بد منه، والحفاظ على الثوابت؟
في الحقيقة من فهم التجديد على هذا النحو لم يفهم المطالبة بتجديد الخطاب الديني، ذلك أن المطالبة بتجديد الخطاب الديني تعني في المقام الأول الحفاظ على الثوابت وعلى القطعيات وأنه لا ينبغي العبث بها، فهي خط أحمر لا يجوز المساس به بحال، وإنما التجديد في كيفية مخاطبة الشباب ومخاطبة الناس بأن يصل إليهم الإسلام في صورة حضارية صحيحة وناصعة، وتصحيح هذه المفاهيم التي سرقها هؤلاء الإرهابيون وأرادوا أن يكرسوا لها معاني خاصة، فلا بد من إعادة هذه المفاهيم إلى نصابها وإلى مكانها وسياقها الصحيحين، وإلى معانيها التي فهمها بها العلماء والسلف الصالح.
 لا بد من العودة إلى الروافد الأولى في كل ذلك. إذاً تجديد الخطاب الديني لا يعني أبدا المساس بالثوابت بقدر ما يعني إيصال هذا الإسلام بصورة حضارية ناصعة تتفق مع ما قصده الرسول.
(انتهى)
الزبير الأنصاري / ص ج/ ح ص
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي